مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

75

شرح فصوص الحكم

شرع في بيان العلو فقال : ( العلو ) بتشديد الواو ( نسبتان ) لا يمكن تصور العقل بدون إضافته إلى شيء آخر لكون النسبة جزءا من مفهومهما ( علوّ مكان وعلو مكانة فعلوّ المكان ) قوله تعالى في حق إدريس عليه السلام : ( وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : 57 ] وأعلى الأمكنة ) بعلو المكانة ( المكان الذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك فهو فلك الشمس وفيه مقام روحانية إدريس عليه السلام وتحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك وهو ) أي فلك الشمس ( الخامس عشر ) وهو قلب الأفلاك لذلك كان وسط الأفلاك ( والذي فوقه فلك الأحمر وفلك المشتري وفلك كيوان وفلك المنازل وفلك الأطلس ) المتحرك بالحركة اليومية ( فلك البروج ) عطف بيان لفلك الأطلس ( وفلك الكرسي وفلك العرش والذي دونه فلك الزهرة وفلك الكاتب وفلك القمر وأكرة الأثير وأكرة الهواء وأكرة الماء وأكرة التراب ) وتفصيل ذلك مبين في علم آخر ولذلك اكتفى بذلك الإجمالي ولم يفصلها فأبقيناه على ذلك ( فمن حيث هو ) أي فلك الشمس ( قطب الأفلاك هو ) أي إدريس ( رفيع المكان ) الذي أعلى الأماكن بعلو المكانة فكان إدريس عاليا بعلو المكان لا بعلو المكانة إذ المكانة وصف لمكانه لا له إذ ما ثبت بالنص الإلهي لإدريس إلا علو المكان لا علو المكانة ولا يلزم من ثبوت علو المكانة لمكانة ثبوتها فلم يثبت له علو المكانة بالنص ( وأما علو المكانة فهو لنا ) بالنص الإلهي ( أعني المحمديين قال اللّه تعالى : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ محمد : 35 ] في هذا العلو وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة ) ولما قال : وَاللَّهُ مَعَكُمْ علمنا أن المراد من قوله : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إثبات علو المكانة لنا لتعاليه عن المكان دون المكانة ولو كان المراد علوا بالمكان لزم إثبات ما هو من خواص الأجسام للحق تعالى عن ذلك فعلوّ الحق لا يكون إلا بالمرتبة وعلونا قد يكون بالمكان وقد يكون بالمكانة وقد يكون بهما ( ولما خافت النفوس العمال منا ) يعني لما علم اللّه تعالى في نفوس العمال خافت بسبب هذه الآية أن لا يكون لهم نصيب من العلو المكاني لأنه لما اتبع الخطاب بقوله : وَاللَّهُ مَعَكُمْ علموا أن ليس المراد العلو المكاني الذي نتائج أعمالهم فكانوا خارجين عن الخطاب فضاعت أعمالهم فخافوا فلما خافوا ( اتبع المعية بقوله وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) لإزالة خوفهم وتسليهم فالعمل يطلب المكان كما في إدريس تبدلت بشريته بالرياضيات والأعمال الصالحات حتى رفعه اللّه مكانا عليا جزاء عن أعماله ولم يكن له علو المكانة لما أن ذلك بالفناء في الخلق وإدريس عليه السلام لم يكن له الفناء الذي يوصل إلى التوحيد الذاتي المحمدي هذا في حال حياته وأما في الآخرة فقد جمع اللّه له الرفعتين فما جمع اللّه بين الرفعتين إلا لمن كان عالما وعاملا ( فالعلم يطلب المكانة والعمل يطلب المكان ) فمن كان عليا بالعلم فله علو المكانة ومن كان عليا بالعمل فله علو المكاني ( فجمع ) اللّه ( لنا بين الرفعتين بالنص علو المكان بالعمل وعلو المكانة بالعلم ) هذا الجمع في الدار الآخرة فإن علو المكانة يختص بولاة